عبد القاهر الجرجاني
285
دلائل الإعجاز في علم المعاني
فإن قال قائل : إن المزيّة من أجل أنّ المساواة تعلم في " رأيت أسدا " من طريق المعنى ، وفي " رأيت رجلا مساويا للأسد " من طريق اللفظ . قيل : قد قلنا فيما تقدم ، إنه محال أن يتغير حال المعنى في نفسه ، بأن يكنى عنه بمعنى آخر وأنه لا يتصوّر أن يتغيّر معنى طول القامة بأن يكنى عنه بطول النّجاد ، ومعنى كثرة القرى بأن يكنى عنه بكثير الرّماد . وكما أنّ ذلك لا يتصوّر ، فكذلك لا يتصوّر أن يتغير معنى مساواة الرّجل الأسد في الشجاعة ، بأن يكنى عن ذلك ويدلّ عليه بأن تجعله " أسدا " . فأنت الآن إذا نظرت إلى قوله : [ من البسيط ] فأسبلت لؤلؤا من نرجس ، وسقت * وردا ، وعضّت على العنّاب بالبرد " 1 " فرأيته قد أفادك أن " الدّمع " كان لا يخرم من شبه اللؤلؤ ، و " العين " من شبه النرجس شيئا ، فلا تحسبنّ أن سبب الحسن الذي تراه فيه ، والأريحية التي تجدها عنده ، أنه أفادك ذلك فحسب . وذاك أنك تستطيع أن تجيء به صريحا فتقول : " فأسبلت دمعا كأنه اللّؤلؤ بعينه ، من عين كأنها النّرجس حقيقة " ، ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئا . ولكن اعلم أنّ سبب أن راقك ، وأدخل الأريحيّة عليك ، أنه أفادك في إثبات شدّة الشبه مزيّة ، وأوجدك فيه خاصّة قد غرز في طبع الإنسان أن يرتاح لها ، ويجد في نفسه هزّة عندها ، وهكذا حكم نظائره كقول أبي نواس : [ من السريع ] تبكي فتذري الدّرّ عن نرجس ، * وتلطم الورد بعنّاب " 2 " وقول المتنبي : [ من الوافر ] بدت قمرا ، ومالت خوط بان ، * وفاحت عنبرا ، ورنت غزالا " 3 " واعلم أن منشأ " الاستعارة " أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء ، ازدادت الاستعارة حسنا ، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألّف تأليفا إن
--> ( 1 ) البيت للوأواء الدمشقي ، في ديوانه ، ويروى : " فأمطرت " بدل " فأسبلت " وهي الرواية المشهورة . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 349 ) ، من أربعة أبيات قالها في جنان وهي : يا قمرا أبرزه مأتم * يندب شجوا بين أتراب يبكي فيذري الدر من نرجس * ويلطم الورد بعناب أبرزه المأتم لي كارها * برغم بواب وحجاب لا زال موتا دأب أحبابه * وكان إن أبصره وأبى ( 3 ) البيت للمتنبي في ديوانه ( 1 / 184 ) ، من قصيدة في مدح أبي الحسين بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني ومطلعها : بقائي شاء ليس هم ارتحالا * وحسن الصبر زموا لا الجمالا تولوا بغتة فكأن بينا * تهيبني ففاجأني اغتيالا بدت : ظهرت ، الخوط : الغصن الناعم ، رنت : نظرت . راجع البيت ص ( 202 ) هامش ( 2 ) .